نبدأ على بركة الله في سرد سيرة احد كبار القراء واحد عمالقة التجويد وصاحب مدرسة متميزة...هو الشيخ الشحات محمد انور...
ولد القارئ الشيخ الشحات محمد انور قارئ مسجد الامام الرفاعي، يوم 1 يوليو، عام 1950م في قرية كفر الوزير مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في أسرة صغيرة العدد.. وبعد ثلاثة أشهر من ولادته، مات أبوه فلم يتمكن الطفل من تمييز ملامح أبيه الذي ترك طفلاً يتيماً يواجه أمواج الحياة وتقلبات الأيام بحلوها ومرها. ولان حنان الأم لا يعادله حنان، احتضنت الأم وليدها وانتقلت به للاقامة بمنزل جده ليعيش مع أخواله حيث الرعاية الطيبة التي قد تعوضه بعض الشيء وتضمد جراح اليتيم التي أصابته قبل ان تنبت له الأسنان.
يقول الشيخ الشحات عن أيام الطفولة : « في تلك الفترة كنت سعيداً بحفظ القرآن سعادة لا توصف، وخاصة أثناء تجويدي للقرآن بعد ما أتممت حفظه، ولان صوتي كان جميلاً، وأدائي للقرآن يشبه أداء كبار القراء، تميزت على أقراني وعرفت بينهم بالشيخ الصغير، وهذا كان يسعدهم جميعاً وكان زملائي بالكتّاب ينتهزون أي فرصة ينشغل فيها الشيخ عنا ويطلبون مني ان أتلو عليهم بعض الآيات بالتجويد ويشجعونني وكانني قارئ كبير، وذات مرة سمعني الشيخ من بعيد فوقف ينصت اليّ حتى انتهيت من التلاوة فزاد اهتمامه بي فكان يركز عليّ دون الزملاء لانه توقع لي ان أكون ذا مستقبل كبير على حد قوله رحمه الله، واذكر انني أثناء تجويدي للقرآن كنت كثيراً ما أتلو على زملائي ففكر أحدهم ان يحضر علبة كبريت « درج «ويأخذ منها الصندوق ويضع به خيطاً طويلاً ويوصله بالعلبة فأضع أحد أجزاء العلبة على فمي وأقرأ به كانه ميكرفون وكل واحد من الزملاء يضع الجزء الآخر من العلبة على أذنه حتى يسمع رنيناً للصوت فيزداد جمالاً وقوة.. كل هذا حدد هدفي وطريقي وانا طفل صغير وجعلني أبحث جاهداً عن كل السبل والوسائل التي من خلالها أثقل موهبتي وأتمكن من القرآن حتى لا يفر مني وخاصة بعد ما صرت شاباً مطالباً بان أعول نفسي ووالدتي وجدتي بعد وفاة خالي الذي كان يعول الأسرة، فكنت عندما أسمع ان أحد كبار العائلات توفي وتم استدعاء أحد مشاهير القراء لاحياء ليلة المأتم كنت أذهب وانا طفل في الثانية عشرة وحتى الخامسة عشرة، الى مكان العزاء لأستمع الى القرآن وأتعلم من القارئ وأعيش جو المناسبة حتى أكون مثل هؤلاء المشاهير اذا ما دعيت لمثل هذه المناسبة.
المنافسة
كانت بداية الشيخ الشحات بداية قاسية بكل معايير القسوة لم ترحم تقلبات الحياة المرة طفلاً يحتاج الى من يأخذ بيده وينشر له من رحمته ويحيطه بسياج من العطف والحنان وبدلاً من هذا عرف الأرق طريق الوصول اليه فكيف ينام أو تقر له عين ويسكن له جفن أو يهدأ له بال وهو مطالب بالانفاق على أسرة كاملة فبدأ بتلبية الدعوات التي انهالت عليه من كل مكان وهو ابن الخامسة عشرة فقرأ القرآن في كل قرى الوجه البحري بأجر بسيط آنذاك لا يتعدى ثلاثة أرباع الجنيه اذ كانت السهرة بمركز ميت غمر تحتاج الى سيارة وقد تصل الى 7 جنيهات اذا لزم تأجير سيارة مهما يكن نوعها، فكان يعود من السهرة بما تبقى معه من الأجر ليسلمه الى جدته ووالدته فتنهال عليه الدعوات مما يشجعه على تحمل الصعاب في سبيل التطلع الى حياة كريمة شريفة يتوجها بتاج العزة والكرامة وهو تلاوة كتاب الله عز وجل.
واستطاع الشيخ الشحات في فترة وجيزة ان يكّون لنفسه شخصية قوية ساعده على ذلك ما أودعه الله ايّاه من عزة النفس وبعد النظر واتساع الأفق والذكاء الحاد والحفاظ على مظهره والتمسك بقيم وأصالة الريف مع التطلع بعض الشيء الى «الشياكة» في المعاملة التي تغلفها رقة تجعل المتعامل معه يفكر ثم يفكر أبها تكلف أم انها طبيعية.
بداية الشهرة
بعد ان تخطى العشرين عاماً بقليل صار للشيخ الشحات اسماً يتردد في كل مكان وانهالت عليه الدعوات من كل محافظات مصر وأصبح القارئ المفضل لمناطق كثيرة ظلت آمنة ساكنة لم يستطع أحد غزوها بسهولة لوجود المرحوم الشيخ حمدي الزامل والشيخ شكري البرعي وتربعهما على عرش التلاوة بها لدرجة انها عرفت بانها مناطق الشيخ حمدي الزامل رحمه الله، ولكن الموهبة القديرة لا تعرف حدوداً ولا قوانين حتى ولو كانت القوانين قوانين قلبية مغلقة، فكانت الموهبة لدى الشيخ الشحات هي المفتاح السحري الذي يتطاير أمامه كل باب.
وبعد عام 1970 انتشرت أجهزة التسجيل في كل المدن والقرى بطريقة ملحوظة وخاصة بعد الانفتاح وكثرة السفر للعمل خارج مصر، لدرجة ان كثيرين تمنوا السفر ليس لجمع المال ولكن ليكون لديهم جهاز تسجيل يسجلوا ويسمعوا عليه المشاهير أمثال الشيخ الشحات، وكان ذلك سبباً في شهرة الشيخ الشحات عن طريق تسجيلاته التي انتشرت بسرعة البرق، ولو تم حصر تسجيلاته في تلك الفترة لزادت على عشرة آلاف ساعة من التلاوات الباهرة الفريدة التي جعلت الملايين من الناس يتوقعون لهذا القارئ الموهوب انه سيكون أحد النجوم المضيئة في الاذاعة لانه كان يتمتع بمزايا شخصية وامكانات صوتية لا تقل عن امكانات عمالقة القراء من الرعيل الأول لقراء الاذاعة.
الالتحاق بالإذاعة
كان لا بد لهذا الفتى المتألق دائماً الذي كان يتدفق القرآن من حنجرته كجدول الماء الجاري العذب ان يشق طريقه نحو الاذاعة، ولان شهرته سبقت سنه بكثير وجّه اليه رئيس مركز مدينة ميت غمر في سبعينيات القرن الماضي المستشار حسن الحفناوي دعوة في احدى المناسبات الدينية التي كان سيحضرها المرحوم د. كامل البوهي أول رئيس لاذاعة القرآن الكريم وذلك عام 1975 1976 يقول الشيخ الشحات : « تقدمت بطلب للالتحاق بالاذاعة وجاءني خطاب للاختبار عام 1976 ولكن اللجنة رغم شدة اعجاب أعضائها بأدائي قالوا لي انت محتاج الى مهلة لدراسة التلوين النغمي فسألت الأستاذ محمود كامل والأستاذ أحمد صدقي عن كيفية الدراسة فدلني الأستاذ محمود كامل على الالتحاق بالمعهد الحر للموسيقى فالتحقت به ودرست لمدة عامين حتى صرت متمكناً من كل المقامات الموسيقية بكفاءة عالية،وفي عام 1979 تقدمت بطلب، للاختبار مرة ثانية أمام لجنة اختبار القراء بالاذاعة،و طلب مني أحد أعضاء اللجنة ان أقرأ 10 دقائق انتقل خلالها من مقام الى مقام آخر مع الحفاظ على الأحكام ومخارج الألفاظ والتجويد والالتزام في كل شيء خاصة التلوين النغمي وبعدها أثنى أعضاء اللجنة على أدائي وقدموا لي بعض النصائح التي بها أحافظ على صوتي وانهالت عليّ عبارات الثناء والتهاني من الأعضاء وتم اعتمادي كقارئ بالاذاعة عام 1979
مدرسة فن التلاوة
ونجح الشيخ الشحات في الاستقلال بنفسه وجعل له مدرسة في فن التلاوة وحسن الأداء، وأصبح يوم 16/12/1979 يوماً لا ينسى في حياة الشيخ الشحات وفي ذكريات عشاق صوته وفن أدائه اذ كان اليوم التاريخي الذي وصل فيه صوته الى كل أقطار الدنيا عن طريق الاذاعة أثناء قراءة قرآن الفجر على الهواء.
وفي الفترة من 1980 الى 1984 تربع الشيخ الشحات على الساحة مع أعلام القراء واستطاع ان يحقق انجازاً كبيراً وشهرة واسعة في فترة عزّ فيها العمالقة واختلطت فيها الأمور وماجت الساحة بكثير من الأصوات القرآنية التي تشابهت واختلطت لدرجة ان السامع تاه وفكر في الانصراف الى كل ما هو قديم،و كان قرآن الفجر عبر موجات الاذاعة هو البوابة الرئيسية التي دخل منها الشيخ الشحات الى قلوب الملايين من المستمعين بلا اقتحام وبلا تسلق، وكان هذا القارئ الموهوب يقرأ أربع مرات في شهر رمضان على الهواء في الفجر وأربع مرات في سرادق قصر عابدين بانتظام مما جعل جماهيره وعشاق صوته يتوافدون من كل المحافظات ليستمعوا اليه ثقة منهم في قدراته وامكاناته التي تمكنه وتساعده على اشباع شوقهم بما لا يقل عن ثلاثين جواباً أثناء التلاوة الواحدة وأحيانا يصل جواب الجواب الى أكثر من عشر مرات باتقان وتجديد والتزام شهد به المتخصصون في علوم القرآن.
وقلد الشيخ الشحات الكثير من القراء كونوا ما يشبه المدرسة التي كان هو رائدها.
وفي يوم 13/1/2008 رحل الشيخ الشحات محمد انور عن عالمنا الى الدار الآخرة رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire