سيرة القارئ الشيخ محمد الصيفي

أحد عمالقة قراء القرآن في مصر، نشأ وعاش وذاعت شهرته في النصف الأول من القرن العشرين، كان صديقاً مقرباً لقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وتتلمذ على يديه مشاهير القراء الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الماضي، ومن هنا لقب بـ «أبو القراء»، وقد وصفه الكثيرون بالقارئ العالم وخبير القراءات، حيث كان متفقهاً في الدين ولغة القرآن الكريم وتميز بقراءاته العشر الكبرى.
هو القارئ الشيخ محمد الصيفي، المولود في قرية البرادعة التابعة لمحافظة القليوبية العام 1885، أتم حفظ القرآن الكريم كاملا في سن مبكرة، وفي بدايات القرن العشرين، وبالتحديد العام 1904 سافر إلى العاصمة المصرية القاهرة، واستقر في حي العباسية، وفي القاهرة درس علم القراءات على يد الشيخ عبدالعزيز السحار، إلى جانب دراسته بجامعة الأزهر، حيث تخرج في كلية الشريعة والقانون عام 1910.
في أعقاب التخرج بدأ الشيخ الصيفي حياته العملية قارئاً للقرآن الكريم بمسجد فاطمة النبوية بمنطقة العباسية، وفي تلك الفترة تعرف على الشيخ محمد رفعت، وارتبط الشيخان بعلاقة صداقة قوية، وكانا يحصلان على نفس الأجر في إحياء ليالي شهر رمضان الكريم، وكان الأجر لا يتجاوز الـ 50 قرشاً في الليلة، كذلك جمعته علاقة صداقة بالشيخين حمد ندا وعلي محمود، حيث عاش الثلاثة في حارة واحدة.
وكان الشيخ الصيفي والشيخ رفعت من أوائل الذين قرأوا القرآن الكريم في الإذاعة المصرية في أعقاب تأسيسها في مايو العام 1934، وكان يقرأ بالتناوب مع الشيخ محمد رفعت، وبعد ذلك بفترة أصبح الشيخ الصيفي قارئاً بمسجد الإمام الحسين بعد وفاة الشيخ علي محمود، ومع مرور الوقت ومن خلال تلاواته وتسجيلاته في الإذاعة المصرية ذاعت شهرته، وبدأ الناس في القاهرة والأقاليم المصرية يرددون اسمه وينتظرون تلاواته في الإذاعة، الأمر الذي انعكس على أجره الذي ارتفع بشكل كبير، حيث أصبح يتقاضى 10 جنيهات في الليلة، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، وقد عين الشيخ الصيفي في وقت لاحق رئيساً لرابطة القراء المصريين.
كان الشيخ الصيفي أحد القراء الأربعة الذين شاركوا في إحياء مأتم الزعيم سعد زغلول، والملك فؤاد، وكان القارئ الوحيد الذي رفض التلاوة في قصر الملك فاروق في شهر رمضان سنويا، وعندما سأله أحد المسؤولين عن سبب رفضه، قال صحتي لا تساعدني، يستطيع سماعي جيداً من الراديو.
ولم تقتصر تسجيلات الشيخ الصيفي على الإذاعة المصرية، حيث كانت له تسجيلات أخرى في الإذاعات العالمية مثل إذاعات لندن وبرلين وموسكو.
في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1955، رحل الشيخ محمد الصيفي عن عمر يناهز 70 عاماً، وكان في أيامه الأخيرة قد اعتزل إحياء الليالي، واكتفى بقراءة سورة الكهف في مسجد الإمام الحسين.

سيرة القارئ الشيخ أحمد الرزيقي

اليكم سيرة قارئ عملاق من عمالقة التجويد هو الشيخ القارئ  أحمد الرزيقي نسبة إلى بلدته (الرزيقات قبلي) أمين عام نقابة القراء، وقارئ مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة، ولد يوم 21/2/1938م بقرية الرزيقات قبلي مركز أرمنت قنا ألحقه والده المرحوم الحاج الشحات بالمدرسة الابتدائية بالقرية.

رضي الطفل بهذا لأنه هو الأسلوب المتبع لدى الناس جميعاً وذات يوم خرج الشيخ أحمد من البيت قاصداً المدرسة فرأى حشداً من الناس أمام بيت المرحوم الحاج الأمير داود التاجر المعروف بالمنطقة والذي كان هو الوحيد الذي يمتلك (راديو) في القرية فسأل الطفل الصغير عن سر ذلك التجمهر اللافت للنظر، وكأن عناية السماء تدخلت في حياته لتنبئ عما كتبه الله له فساقته الأقدار إلى البحث عن سبب تجمع الناس في جو شديد البرودة في هذا التوقيت بالذات قبل السادسة صباحاً ; فقيل له لأن ابن بلدنا الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، دخل الإذاعة وسوف يقرأ الآن بالراديو فجلس معهم الطفل الصغير صاحب العقل الكبير، ليس ليشاركهم الفرحة فقط، ولكن لأشياء سيطرت على كيانه.

وبينما الجميع في الانتظار، مشغولين بإذاعة اسم ابن بلدهم بالراديو، وانطلاق صوته العذب الجميل عبر جهاز لا حول له ولا قوة من وجهة نظرهم مع علمهم بأنه سينطق بقدرة الله الذي أنطق كل شيء.

ولكن الطفل تدور الأمور برأسه دوراناً خالصا، لسان حاله يقول بصوت داخلي يهز المشاعر: إذا كان هذا الحب، وهذا التفاني، وهذا الانتظار من أجل الشيخ عبدالباسط الذي وصل إلى قمة المجد، فما هو المانع من أن أكون مثله؟ إذا كان قد حفظ القرآن فإن شاء الله سأحفظ القرآن مثله! وإذا كان صوته جميل فهذا ليس على الله بعزيز.

لحظات وانطلق صوت المذيع معلنا عن اسم القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، إذا بالجميع وكأن الطير على رءوسهم، لا ينطق اللسان، ولكن القلوب تهتف وتتراقص طرباً واستحساناً لابن بلدهم حسن الصوت.

وبعد انتهاء التلاوة تبادل الحاضرون فيما بينهم عبارات التهاني والفخر والسرور، وانصرف الشيخ أحمد من بينهم دون أن يشعر به أحد، ليغير طريق حياته كلها قبل أن يغير طريق الوصول إلى المدرسة.

واتجه إلى الكتّاب مباشرة، وألقى السلام على الشيخ واستأذنه في الجلوس بين أقرانه. وبدأ معهم الحفظ وظل يتردد على الكتّاب لمدة أسبوع دون أن يعلم أحد من البيت. ولكن المدرسة أرسلت خطاباً يحمل مدة الغياب عن المدرسة، فتعجب والده لأن الابن يخرج من البيت إلى المدرسة في الموعد المحدد ويعود بعد انتهاء اليوم الدراسي.

فانتظر الحاج الشحات ابنه أحمد ليعرف منه سبب الإنذار. لم يخطر على بال الوالد أن الابن قد تغيب، ولما عاد الشيخ أحمد إلى المنزل ككل يوم سأله والده أين كنت الآن؟ وهل كنت بالمدرسة أم لا؟ فرد الشيخ أحمد على والده بفلسفة وأسلوب لا يصدق أحد أن طفلاً يتحدث به ورد قائلاً لوالده: ولماذا لم تسألني منذ تغيبت إلا اليوم؟ فقال له والده: لأنني كنت معتقداً إنك رايح المدرسة وجاي من المدرسة! فقص عليه ما حدث فاحتضنه أبوه وقبّله وقال له: يعني أنت اتخذت القرار من نفسك قال: نعم فشجعه على ذلك وفرح جداً. وسأله عما حفظ من القرآن، فقرأ عليه، فدعى له بالتوفيق وأقره في ذلك.

كان الشيخ أحمد حريصاً على متابعة مشاهير القراء عن طريق الإذاعة، وبالأماكن التي يسهرون فيها في الصعيد ليتعلم منهم ويقتدي بهم. وبعد أن حفظ القرآن كاملاً وهو ابن العاشرة، كافأه الوالد بأن اشترى راديو ليستمتع الشيخ أحمد بالاستماع إلى قراءة الرعيل الأول بالإذاعة.

وكان الشيخ أحمد يحاول تقليدهم فيحضر زجاجة لمبة الجاز نمرة (5) ويضعها على فمه ويقرأ بها لتكون كالميكرفون وتحدث صوتاً يساعده على القراءة. يقول الشيخ أحمد الرزيقي : مثلاً كنت أضع للشيخ أبوالعينين شعيشع صورة معينة في خيالي، ولكنني لما رأيته تعجبت لأنني كنت متخيلاً أن هؤلاء الكواكب والنجوم الزاهرة ليسوا كمثلنا، ولكن كالملائكة، ولما قابلت الشيخ أبوالعينين قلت له الحقيقة غير الخيال، كنت متخيلاً أنك في جمال سيدنا يوسف عليه السلام وضحكنا أنا والقمر الذي يضيء دنيا القراءة السيد النقيب صاحب الفضيلة الشيخ أبوالعينين شعيشع.

وشاءت الأقدار بفضل الله وبفضل القرآن أن أكون الأمين العام لنقابة القراء في ظل رئاسة الشيخ أبوالعينين للنقابة أي (النقيب) وانتقل الشيخ الرزيقي من كتّاب الشيخ محمود إبراهيم كريّم الذي حفّظه القرآن وعلمه حكايات من القصص الديني الذي يروي حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وعلمه بعضاً من الفقه والسنة والتاريخ الإسلامي، وجزءاً من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

أنتقل إلى معهد تعليم القراءات ببلدة أصفون المطاعنة القريبة من قريته الرزيقات قبلي. حيث تعلم التجويد والقراءات السبع وعلوم القرآن.

يقول الشيخ أحمد الرزيقي: وتخيلت أنني لو سلكت طريق القرآن فسأكون قارئاً مشهوراً للقرآن الكريم. فرافقت القرآن مرافقة الخادم لسيده.. لأن شيخي علمني الكثير والكثير، وكانت رعايته ترقبني لأنه توسم فيّ خيراً كما قال لي.

ولذلك فضله عليّ كبير، لأنه علمني أشياء أفادتني في حياتي كلها. علمني الكياسة والفطانة وكيفية التعامل مع الناس، وكيف أفكر قبل إصدار القرار، حتى في نطق الكلمة، أتذوقها أولاً فإذا كان طعمها مستساغاً أنطقها، ولكنها إذا كانت مرة المذاق، فسوف تكون أكثر مرارة إذا خرجت من لساني. وعلمني متى أتحدث، وفي أي وقت أتحدث، وكيفية احترام الكبير والصغير، فكان الكتاب جامعة داخل كتاب.

كان الشيخ محمد سليم المنشاوي أحد علماء القراءات في مصر والوجه القبلي، لقد علّم الشيخ عبدالباسط القراءات وذلك بمعهد أصفون المطاعنة، وكان هو شيخ المعهد في ذلك الحين. ولثقة الجميع بالشيخ سليم وخاصة بعدما تخرج الشيخ عبدالباسط على يده، لم يتردد الشيخ أحمد الرزيقي في الذهاب إلى الشيخ سليم.

وبأصفون تلقى علم القراءات وعلوم القرآن ساعده على ذلك القرابة التي كانت تربطه بأهل أصفون يقول الشيخ أحمد: ولم أشعر بالغربة داخل بلدتي الثانية أصفون نظراً لأنهم أبناء عمومتنا، وتربطنا بهم علاقة الدم والنسب والأرحام، وكان أهل المطاعنة يطلبون من الشيخ محمد سليم زيارتي لهم، فكان يوافق الشيخ رحمه الله.

وبعد ذلك ذاع صيت الشيخ أحمد الرزيقي في كل مدن وقرى الوجه القبلي فانهالت عليه الدعوات ليسهر رمضان، ويحي المآتم والمناسبات الدينية، وأصبح محل ثقة وحب الجميع في صعيد مصر.

ولم تتوقف الموهبة الفذة عند هذا الحد، ولكنها حملت صاحبها إلى القاهرة على أجنحة الالتزام والتقدير والاعتزاز بكتاب الله عز وجل: فاشتهر في القاهرة بين كوكبة من القراء يتنافسون بحب في لقاءات وسهرات من الصعب أن يحدد المستمع من هو أقوى طرفيها أو أطرافها، لأنها كانت سهرات جامعة شاملة، في مناسبات معروفة ومحدد الزمان والمكان، يقيمها كبار تجار القاهرة في كل المناسبات وخاصة في المولد النبوي الشريف، ومولد السيدة زينب والإمام الحسين.

وكان يصادف أن يدعى اثنان أو ثلاثة في سرادق واحد وربما كان من هذه الأسماء الشيخ رفعت والشعشاعي وشعيشع والمنشاوي ومصطفى إسماعيل وعبدالباسط وغيرهم: فكان من الصعب أني يأتي قارئ من الأقاليم ليفرض نفسه على الساحة بين قمم جبال راسخة، ولكن الحظ وحده جعل الشيخ أحمد يسلك الطريق، وينحت في صخور ليخط له اسماً بفضل الله تعالى...

ثم بفضل شيخ مخلص هو المرحوم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الذي ساعد الشيخ أحمد الرزيقي وشجعه على القراءة بين هؤلاء العمالقة داخل مدينة القاهرة التي وقع مستموعها تحت سيطرة محكمة من كتيبة القراء التي فتحت دنيا القراءة أما أجيال ستظل تنهل من بحر عطاء لا ينضب ومجد لا ينتهي صنعه أصحاب المدارس الفريدة رحمهم الله، ونفعهم بما قدموا للمسلمين والإسلام.

كان الشيخ الرزيقي ينزل القاهرة قبل الاستقرار بها وأول شيء يفعله يتجه إلى عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة الإمام الحسين والسيدة زينب. وبعد ذلك يتجه إلى الشيخ عبدالباسط يتدارس معه شئونه القرآنية، وليستفيد من توجيهاته الذكية الرشيدة، وتعليماته الدقيقة.

يقول الشيخ الرزيقي: وذات مرة جئت إلى القاهرة وكالعادة ذهبت إلى الشيخ عبدالباسط فقال لي: خلاص لن تعود إلى الصعيد: فقلت له: لماذا يا فضيلة الشيخ قال: لأنك ستسهر معي وتقرأ معي حتى تشتهر وتدخل الإذاعة إن شاء الله.

وأخذني معه في كل مكان، وقرأت معه في كل المحافظات حتى ذاعت شهرتي، واستمع إليّ كبار المسئولين بالدولة. وأذكر أنني قرأت أمام الفريق سعد الدين الشريف و د. حسن عباس زكي وفريد باشا زعلوك والأستاذ نبيل فتح الباب، فأعجبوا بتلاوتي وأدائي، وقالوا حتماً ستكون قارئاً بالإذاعة.

وكتب لي فريد باشا زعلوك خطاباً إلى صديقه الأستاذ الشاعر محمود حسن إسماعيل مراقب الشئون الدينية والثقافية بالإذاعة وقتذاك. ولكنني لم أذهب بالخطاب إلى الإذاعة وإنما سافرت إلى الصعيد.

وفي عام 1967م وكنت محتفظاً بالخطاب ; جئت إلى القاهرة وذهبت إلى الإذاعة لأقابل الأستاذ محمود حسن إسماعيل، وقلت له: حضرت إليك برسالة من رجل عزيز عليك، وصاحب فضل عليك. فقال من فريد باشا زعلوك؟ فقلت له نعم: فتلقف الرسالة بشغف وتأملها، ولكنه قال: يا أستاذ فيه قرار بعدم انعقاد اللجنة إلا بعد إزالة آثار العدوان. فقلت له أدعو الله أن يزيل آثار العدوان، وأن ينصر مصر، وقلت له عندما ; يأذن الله سأحضر إلى الإذاعة. وعدت إلى البلد، أقرأ القرآن في كل بلاد الوجه القبلي، وبعض محافظات الوجه البحري.

الرسالة التي كتبها إلى الرئيس السادات وردّ الرئيس عليها:

يقول الشيخ أحمد الرزيقي: جلست تحت شجرة فمسني نسيم الهواء الطاهر، فحرك مرواح القلب وأنعش روحي التي استوت على حروف القرآن، لأكتب رسالة حددت مستقبلي القرآني إلى الرئيس الراحل أنور السادات قلت فيها: الأخ العزيز الرئيس محمد أنور السادات تحية طيبة وبعد..

إني أكتب إليك هذه الرسالة لا لأنك رئيس الجمهورية ولا على أنك الحاكم، وإنما على أنّك شقيق يشعر بآلام أخيه وأما قصتي فهي أنني أتلو القرآن الكريم، وأتقي الله في ذلك، وأصاحب القرآن منذ طفولتي، وجعلت نفسي خادماً له. فلم يأل القرآن جهداً في إسداء النصح إليّ، وإني قد ذهبت إلى المسئولين بالإذاعة فقالوا لي: لن تنعقد لجنة اختبار القراء إلى بعد إزالة آثار العدوان. وها نحن الآن وقد تفضل الله علينا بإزالة آثار العدوان، وانتصرنا في حرب أكتوبر، التي كنت أنت قائدها: فأرجو سيادتكم التفضل باتخاذ ما ترونه من إخطار الإذاعة أن تبعث لي بموعد اختباري كقارئ بها..

وبعد أيام قلائل جاءني رد الرئيس السادات على رسالتي برسالة تقول: الأخ العزيز القارئ الشيخ أحمد الرزيقي تحية طيبة وبعد ; لقد وصلتنا رسالتكم الرقيقة والتي حملت بين سطورها معاني المحبة والإخلاص.. وقد اتصلنا بالإذاعة فوجدنا طلبكم موجوداً، وسترسل الإذاعة لاستدعائكم للاختبار، فأدعو الله لكم بالتوفيق، وأرجو لكم النجاح، وإخطاري بنجاحكم حتى أستمتع بالاستماع إليكم.. محمد أنور السادات.

وكانت فرحة الشيخ أحمد الرزيقي لا توصف باهتمام الرئيس السادات بخطابه والرد عليه. وركب أول قطار بعد وصول الرسالة إليه من الرئيس السادات ووصل إلى القاهرة واتجه إلى الإذاعة، وحدد المسئولون له موعداً لاختباره، ودخل اللجنة في الموعد المحدد.

ولكن اللجنة رأت أنه يستحق مهلة 6 شهور عاد بعدها واعتمد قارئاً بالإذاعة بعد أن أثنى عليه كل أعضاء اللجنة، وحصل على تقدير الامتياز، ليصبح واحداً من أشهر قراء القرآن الكريم بالإذاعة المصرية والإذاعات العالمية كلها.

ذكريات الشيخ الرزيقي مع الشيخ عبدالباسط عبدالصمد:

يقول الشيخ الرزيقي: لي مع المرحوم الشيخ عبدالباسط ذكريات كثيرة جداً: سافرت معه إلى معظم دول العالم. وكان بمثابة التابع لي ولست أنا التابع له. وذلك من حسن خلقه ; فكان مهذباً ومتواضعاً وعلى خلق.

فعلى سبيل المثال سافرت معه إلى جنوب أفريقيا، وكانت مشاكل العنصرية هناك لا حدّ لها، ويصعب السفر والإقامة بها آنذاك. ولما وصلنا جوهانسبرج وجدنا جماهير غفيرة في استقبالنا، وخاصة من البيض، وكثير من رجال الصحافة. فقلت للمرحوم الشيخ عبدالباسط: خلي بالك من نفسك فقال الحافظ هو الله وجلسنا بصالة كبار الزوار بالمطار...

وأقبلت علينا سيدة صحفية فقال لها الشيخ عبدالباسط تحدثي مع زميلي الشيخ الرزيقي.. أنا تابع له فتحدثت معي وقلت لها: لقد جئنا إلى هنا في مهمة دينية وهي تلاوة القرآن الكريم. فقالت لي: هل رأيت عنصرية هنا؟ قلت لها: إنني جئت إلى هنا لأقرأ القرآن، ولست باحثاً عن العنصرية ولا غيرها.. فجاء صحفي يبدو أنه عنصري وقال: أنا أعرف أنكما شخصيتان مهمتان. فهل تعلمان ما أعد لكما من تأمين على حياتكما قبل أن تأتيا إلى هنا؟.. فقلت له: يا أخي لسنا في حاجة إلى تأمين لأننا جئنا لقضاء بعض الأيام الطيبة بين أشقائنا من المسلمين هنا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وصفاتهم، ونحن بمثابة الآباء لهم فهل يحتاج الأب إلى من يحميه من أبنائه؟ كل هذا في حديث تليفزيوني فلما سمع الناس ذلك قابلونا ونحن متجهون إلى المسجد وقالوا: ونحن حراس عليكما.

وفي نيجيريا نزلنا عند رجل ثري جداً بأحد الفنادق فتركنا وقال هذا الجرس تستخدموه عند الحاجة ولما جعنا ضغطت على الجرس فجاء رجل طوله متران ونصف ولا يفقه كلمة عربية واحدة ولا حتى إنجليزية فأشرت له بإشارات عرف منها أننا نتضور جوعاً، فأحضر كتاباً به قوائم للطعام بالإنجليزي، وزاد الموقف صعوبة فقال لي الشيخ عبدالباسط: أصرفه فضحكت وقلت له: كيف أصرفه أقرأ عليه قرآن يعني؟ وضحكنا وبعد فترة من الوقت جاءنا الطعام.

السفر إلى دول العالم:

لم يترك الشيخ الرزيقي بلداً عربياً ولا دولة إسلامية ولا جالية إسلامية في دولة أجنبية ولا جزيرة في عرض بحر إلا وذهب إلى المسلمين في شهر رمضان ليمتعهم بما أفاء الله عليه من نعمة حفظ كتاب الله والحافظ عليه بتلاوته بما يرضي الله تعالى..

وسر تدفق الدعوات الخاصة على الشيخ الرزيقي من الدول الشقيقة لإحياء شهر رمضان والمناسبات الدينية المختلفة هو أنه يراعي الله في تلاوته ويتقيه ويؤدي أداءً محكماً ليرضي الرب قبل إرضاء العبد ولا نظن أن ما يرضي الخالق لا يرضي المخلوق وأنّ ما يرضي الحق جلت قدرته يجعل العباد في شوق إلى هذا الأداء الملتزم الموزون بكل دقة.

مواقف طريفة لا ينساها الشيخ الرزيقي:

حياة الشيخ أحمد الرزيقي حافلة بالذكريات المختلفة عبر رحلة ممتدة عبر ما يقرب من أربعين عاماً قضاها في رحاب هدى القرآن ونوره وخاصة الذكريات والمواقف مع مثله العليا من العلماء والفقهاء والأدباء يقول الشيخ الرزيقي: وأثناء اختباري كقارئ بلجنة اختبار القراء بالإذاعة والتي كان الشيخ الغزالي رحمه الله أحد أعضائها.. طلب مني فضيلته أن أقرأ سورة التغابن تجويداً..

فقلت لفضيلته: لم أعود نفسي على تجويدها، ولكنني أجيد أداءها ترتيلاً. فأصر وألح عليّ لأجودها، ولكنني كنت أكثر إصراراً فقال له زميله باللجنة المرحوم الدكتور عبدالله ماضي يا شيخ محمد الشيخ أحمد الرزيقي صادق وهذه تحسب له.. فأود أن تجعله يقرأها مرتلاً.. وكان الشيخ محمد الغزالي سمحاً ما دام الأمر لا يؤثر على أحكام الدين والقرآن فقال لي: رتلها يا شيخ أحمد فرتلت سورة التغابن وسعد الشيخ الغزالي بالأداء لدرجة أنه شكرني وأثنى على أدائي المحكم.

ودارت الأيام ومرت مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء وبعد أن أصبحت قارئاً مشهوراً بالإذاعات العالمية جاءتني دعوة لإحياء شهر رمضان بدولة قطر عام 1985م وشرفت بصحبة الشيخ محمد الغزالي الذي دعي لإلقاء دروس العلم.. وفي ليلة بدر وكان مقرراً أن أبدأ الاحتفال بتلاوة القرآن ويقوم فضيلة الشيخ الغزالي بالتعليق على ما أتلوه.. فطلب مني أن أقرأ من سورة آل عمران: {.. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} فقلت له إنني سأقرأ (التغابن) فابتسم ابتسامة عريضة ولأنه صاحب مكانة جليلة وأخلاق كريمة قال أقرأ آيتين من آل عمران ثم أقرأ التغابن حتى نتحدث في المناسبة ثم أقوم بتفسير ما تقرأه من التغابن.. لم أقصد من وراء قولي هذا لفضيلة الشيخ الغزالي إلا لأذكره فقط بما حدث بلجنة الاختبار.

ولن أنسى موقفاً حدث لي ببريطانيا في مدينة شفيلد: وهذا الموقف مهم جداً أذكره لبعض المدعين أنهم مسلمون وهم يقتلون الأبرياء ويهددون ضيوف مصر القادمين لرؤية حضارة مصر والاستمتاع بجوها الساحر!! نزلت في منزل الشيخ زهران إمام المسلمين هناك وكنت أستيقظ متأخراً بعد ما يخرج الشيخ زهران إلى عمله. ولأنني بمفردي بالمنزل. دق الجرس ففتحت الباب فوجدتهم مجموعة من الأطفال فقالوا: لي صباح الخير بالإنجليزية ورديت التحية عليهم، ولم أعرف منهم ماذا يريدون، وكانت هناك سيدة ترقب الموقف من أمام منزلها فجاءت مسرعة لتعتذر لي وصرفتهم وانصرفت السيدة ومعها الأطفال، ونسيت ما حدث لأنه شيء عادي من وجهة نظرنا هنا...

ولكن في المساء فجأة دق جرس الباب ففتح الشيخ زهران، وقال لهم: ماذا تريدون؟ قالوا نريد الشيخ. قال لهم: لماذا؟ فقالوا لنشرح له ما حدث من الأطفال في الصباح، ونعتذر له. وجلست مع الوفد الذي جاء تقديراً واحتراماً لي، وقالوا لقد جاء الأطفال ظنّا منهم أن أبناء الشيخ زهران بالمنزل، لأن الأطفال هنا تعودوا على الخروج إلى الجناين ليتنزهوا، ولقضاء يوم السبت بالمنتزهات، وكذلك يوم الأحد والأطفال الذين حضروا إلى هنا وأزعجوك هم أعضاء إحدى جمعيات الأطفال، ونحن جميعاً المسئولين عن الجمعية، فجئنا ومعنا الأطفال حتى نعتذر لك عما بدر منهم، لأنك ضيف عزيز، ويجب أن نعمل على راحتك. فقلت في نفسي ياليتنا في مصر نعرف حق الضيف كما يعرف هؤلاء.

تكريم الدولة للشيخ أحمد الرزيقي:

حصل الشيخ أحمد الرزيقي على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديراً لدوره في خدمة القرآن الكريم كما حصل على العديد من الميداليات وشهادات التقدير ولكن أغلى شهادة وأعظم وسام حصل عليه كما يقول هو حب الناس إليه.


سيرة القارئ الشيخ محمد رفعت

هو "محمد رفعت" محمود رفعت ولد يوم الإثنين (9/5/1882) بحي "المغربلين" بالدرب الأحمر بالقاهرة، وقد كان والده "محمود رفعت" ضابطًا في البوليس، وترقَّى من درجة جندي إلى رتبة ضابط، وبذلك انتقل ليسكن بـ"درب الأغوات" بشارع "محمد علي".

كان الشيخ محمد رفعت مبصرًا حتى سن سنتين، إلا أنه أصيب بمرض كُفَّ فيه بصرُه، وهناك قصة لذلك، فقد قيل إن امرأةً قابلته وقالت عن الطفل: إنه ابن ملوك (عيناه تقولان ذلك)، وفي اليوم التالي استيقظ الابن وهو يصرخ من شدة الألم في عينيه، ولم يلبث أن فقد بصره، وقيل إنه كان جميل الشكل عند ولادته فحسده الناس، فهاجمه مرضٌ في إحدى عينيه، ولكنَّ الإهمالَ في العلاج أثَّر عليها وأصاب عينه الأخرى فضعُف بصره شيئًا فشيئًا، حتى فقدت إحداهما القدرة على الإبصار وظلت الأخرى ضعيفةً، إلا أنه كان يرى بها بعض الشيء، وظلَّ كذلك حتى عام 1936م، وبينما كان يقرأ سورة الكهف بمسجد في الإسكندرية والناس في حشد عظيم، وعقب صلاة الجمعة أقبلوا يعانقونه ويقبِّلونه وبينما هم كذلك حاول أحدهم أن يصل إليه وسط التفاف الناس حوله ليقبله فطالت أصابع يده تلك العين عن غير قصد ففقأها وفقد بصره تمامًا بعدها!!

وهبه أبوه محمود بك لخدمةِ القرآن الكريم وحفظه وتلاوته عندما بلغ الخامسة من عمره، وألحقه بكتاب مسجد فاضل باشا بـ"درب الجماميز" بالسيدة زينب، فحفظ القرآن وجوَّده قبل العاشرة، وكان شيخه ومحفِّظه يحبه كثيرًا لإتقانه الحفظَ والتلاوة بصوت شجيٍّ، فعلَّمه التجويد وأعطاه شهادة إجادة حفظ القرآن وتجويده قبل بلوغه السادسة عشرة من عمره، وكتب فيها: إنه وبعد أن قرأ علينا الشيخ محمد رفعت القرآن الكريم تلاوةً وترتيلاً ومجودًا ومجزءًا فقد منحته الاعتراف بأهليته لترتيل القرآن وتجويده.

وحينها مات أبوه الذي كان قد تولى مهمة مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة، فوجد الشيخ محمد رفعت نفسه عائلاً لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يحفظه ويجوِّده ويراجعه، حتى تمَّ تعيينه قارئًا للسورة يوم الجمعة بمسجد فاضل، ولم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فذاع صيته، وكانت ساحة المسجد تضيق بالمصلين الذين أتوا لسماع الصوت الملائكي، وظلَّ يقرأ القرآنَ ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عامًا؛ وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه وحفظ فيه كتاب الله.

ولقد درس علمَ القراءات وبعض التفاسير، ودرس الموسيقى المهذبة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقى "بتهوفن"، و"موزارت"، و"فاجنر"، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته.

في 31/5/1934 افتُتحت الإذاعة المصرية، وطُلِب إلى الشيخ محمد رفعت أن يكونَ أول قارئ يستفتح الإذاعة بصوته الشجي ويستفتح يومياتها بالقرآن، فانتبه الشيخ مترددًا أن يكون في هذا حرام أو مكروه؛ حيث كان يَخشى أن يستمع الناس إلى القرآن وهم في الحانات والملاهي؛ ما يدل على ورعه وشدة تحرِّيه الحلال والحرام بل واحترام القرآن الكريم، ثم إنه استفتى الأزهر.

وكان افتتاح الإذاعة المصرية في يوم الخميس 31 مايو 1934، وكان الشيخ رفعت أول من افتتح الإذاعة بصوته، وذلك بعد أن استفتى شيخ الأزهر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالاً أو حرامًا فجاءت الفتوى التي تقول بأن هذا الفعل حلال، وقد قدَّمه للقراءة عبر الميكروفون محمد سعيد لطفي باشا مدير الإذاعة وأحمد سالم مدير استوديو مصر، وكانت أول قراءة له من سورة الفتح، فقرأ يومها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: 1).

بل لقد طلبت منه بعد ذلك إذاعة الـ"بي. بي. سي" البريطانية أن يسجِّل لها القرآن بصوتِه، فرفض معتقدًا أن ذلك يعد حرامًا على أساس أنها إذاعةٌ أجنبيةٌ، فاستفتى الشيخ المراغي شيخ الأزهر في ذلك الوقت فصحَّح له اعتقاده فسجَّل لها سورة مريم، وبعد ذلك طلبت منه الإذاعة الأهلية أن يسجِّل لها وكان في مرضه الأخير فسجَّل لها بعضَ السور كالكهف ومريم ويونس على أسطوانتين، إلا أن صوته كان غير مرضٍ بالنسبة له، وظلت الإذاعة تُذيع له تلك التسجيلات طيلة حياته، ولم يكن راضيًا عنها، وبعد وفاته علم المسئولون بالإذاعة أن هناك تسجيلَين آخرين عند صاحبيه زكريا مهران ومحمد خميس وبعض التسجيلات الأخرى وبصوت قوي، واستطاعوا أن يحصلوا على تلك التسجيلات، وتمَّ إعادة طبعها واستعانت الإذاعة بالقارئ الشيخ أبو العينين شعيشع في استكمال بعض الآيات وربطها في الأسطوانات المسجَّلة لوجودِ عيوبٍ فنيةٍ بها، وهي التي تذاع الآن.

وتتابعت إذاعات العالم.. إذاعة برلين، ولندن، وباريس- أثناء الحرب العالمية الثانية- ليكون الاستهلال بالقرآن بصوت الشيخ كمقدمةٍ لما تقدمه من برامجَ عربيةٍ، ولم يكن الشيخ يلهث وراء المال والثراء أو أي شيء من حظ من متع الدنيا الزائل.

وظل الشيخ رفعت قارئَ الإذاعة الأول، فلَمَع اسمه، بل لقد وصل الحال بأنه ذات يوم التقى بشيخ الإذاعيين علي خليل، وكان معه ضابط إنجليزي طيَّار، فأخبره علي خليل أن هذا الضابط سمع صوته في كندا، فقرَّر المجيء إلى القاهرة ليتعرَّفَ على الشيخ ثم أعلن الضابط إسلامه.
نعم لقد كان الشيخ رفعت يرفض التكسب عن طريق القرآن، فعندما دعاه حيدر آباد للسفر إليه بالهند وترتيل القرآن في الحفلات هناك مقابل 15 ألف جنيه رفض، وعزَّ عليه أن يرحل إلى الهند، خاصةً بعد أن علم بنية حيدر أباد بمحاولة إثنائه عن عزمه بالرجوع إلى مصر في حالة الموافقة على السفر للهند.. بل لقد ضاعفوا المبلغ إلى (45) ألف جنيه فأصرَّ على موقفه.

ولقد حاول الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يثنيه عن الرفض وأغراه بالاستعداد لمرافقته في تلك الرحلة إلا أنه أصر على الرفض ولم يسافر ولم يقبل تلك الدعوة.

كانت للشيخ محمد رفعت موهبةٌ وقدرةٌ عجيبةٌ على تطويع الصوت حسب المشاهد القرآنية، ويعرف مواضع الترهيب والزجر والتشويق والترغيب، وكان يطوِّع صوتَه تبعًا للآيةِ التي يتلوها: فتارةً نراه إعصارًا هادرًا وتارة أخرى يفيض رقةً وعذوبةً وحنانًا، أما في الأذان فإنه سيد المؤذنين، فإذا سمعت أذانه فهو الأذان الأجمل؛ إذ تهتز لتهليله وتكبيره الخلائق وتختلج المشاعر إجلالاً واحترامًا لعظمة الأذان وهيبته.. حين يقول "الله أكبر" يعطي للفظ الجلالة النبرة الأعلى لتخرج كلمة (الله) بتهليلةٍ هائلةٍ أعلى وأقوى من الجواب (أكبر) فتسمعها وهي تجلجل في السماء.. وكثير من الناس أسلموا بعد سماعهم الأذان منه، والمؤمنون زادوا بسماعه إيمانًا وتصديقًا ويقينًا.

ومن أخلاق الشيخ رفعت أنه كان عفيفَ النفس زاهدًا في الحياة، فلم يكن طامعًا في المال، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، حتى لقد عَرَضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تُذيع له بعض آيات القرآن فرفض؛ بحجة أن ما يبثونه من أغانٍ خليعةٍ لا يتوافق مع بركة القرآن العظيم وتعاليمه العفيفة.

ومع أن الشيخ كان ذا مشاعرَ وعواطفَ متدفقةٍ، فقد كان كذلك إنسانًا تعتريه مواقفُ العنف والحماسة، وتمتلئ روحه بمشاعرَ جياشة لا يجد لها تعبيرًا إلا في دموعٍ خاشعاتٍ ترسلها أجفانه حينما يشتد عليه الخطب، قيل إنه زار أحد أصدقائه المرضى وهو في لحظاته الأخيرة ولما همَّ بالقيام من عند صديقه المريض، إذا بصديقه يمسك بيده ويقول له ملوِّحًا إلى طفلة صغيرة: "تُرى من سيتولى تربية هذه الصغيرة التي ستصبح غدًا يتيمة؟!"، فتأثَّر محمد رفعت بذلك الموقف، وفي اليوم التالي وهو يتلو القرآن وعندما تلا سورة الضحى، ووصل إلى الآية الكريمة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر(9)﴾ (الضحى) ارتفع صوته بالبكاء وانهمرت الدموع من عينيه كأنها سيلٌ؛ إذ تذكر وصية صديقه، ثم خصَّص مبلغًا من المال لهذه الفتاة حتى كبرت وتزوَّجت.

وعُرف عنه العطف والرحمة والشفقة بالفقراء والبسطاء، فقد كان لا ينام حتى يطمئن على فرسه ويطعمه ويسقيه، ويوصي برعايته، وهو إحساسٌ عظيمٌ يعبِّر عما في قلبه من عواطف ملتاعة كلها شفافية وصفاء، وقد كان الشيخ يشتهر بالبكاء في القراءة، وكان يقرأ في الإذاعة على الهواء مباشرةً يومي الإثنين والجمعة قرابة الساعة.

كان الشيخ محمد رفعت طيبًا متواضعًا زاهدًا، ويكفي أن نذكر أنه رفضَ الذهابَ للقراءةِ في عزاء الملك فؤاد الأول، وفضَّل القراءةَ في عزاءٍ أحد جيرانه الفقراء بلا أجْرٍ.

وفي عام 1942م أُصيب الشيخ محمد رفعت بمرض (الزغطة)؛ حيث كانت تلازمه فترةً طويلةً تزيد على الثلاث ساعات يوميًّا، وتوقف عن التلاوة نهائيًّا عام 1944م، وظل قعيدًا بمنزله بعد أن طاف بعدد كبير من الأطباء ولكن دون جدوى.

وكان في تلك الفترة يذهب إلى الإذاعة يومين في الأسبوع هما يوما الإثنين والجمعة، وذلك حتى عام 1948م حيث اشتدَّ عليه المرض الذي كان يهاجمه أغلب ساعات يومه دون انقطاع، حتى إنها هاجمته مرةً أثناء قراءته بالإذاعة فامتنع عن الذهاب إلى الإذاعة بعدها لشعوره بالخوف على ضياع مكانته كقارئ عظيم، مكتفيًا بما قدَّم، حتى إنه فضَّل القراءةَ في إحدى مساجد حي السيدة زينب، وهو مسجدٌ فاضلٌ كان يقرأ فيه القرآن دون أن يذهب إلى الإذاعة.

وحينما كتب الصحفي أحمد الصاوي يطالب بالوقوف مع رفعت في محنته فانهالت عليه التبرعات من أنحاء العالم الإسلامي، إلا أنه لم يقبلها وردَّها كلها، وقال: "لقد عشت طول حياتي دون أن أمدَّ يدي لأحد، وهذا من فضل الله عليَّ، وقد كفاني جلَّ وعلا ذلَّ السؤال، فعندي إيراد منزلي الذي أقيم فيه وقطعة أرض في المنيرة عليها بضعة دكاكين، وإيرادها يكفي نفقات علاجي".

وفي يوم الإثنين بعد ميلاده بثمانية وستين عامًا تحديدًا مات الرجل الذي عرف كيف يصل بصوته الحنون ونبراته الرخيمة إلى أعماق القلوب.. مات صاحب الصوت الذي ظلَّ يجلجل على أمواج الأثير، مردِّدًا آيات الله في الآفاق.

قالوا عن الشيخ محمد رفعت

قال عنه الأديب محمد السيد المويلحي: "سيد قراء هذا الزمن، موسيقيٌّ بفطرته وطبيعته، إنه يزجي إلى نفوسنا أرفع أنواعها وأقدس وأزهى ألوانها، وإنه بصوته فقط يأسرنا ويسحرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا".

ويقول أنيس منصور: "ولا يزال المرحوم الشيخ رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريدٌ في معدنه، وأن هذا الصوت قادرٌ على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أي صوت آخر".

ويصف الموسيقار "محمد عبد الوهاب" صوت الشيخ محمد رفعت بأنه ملائكي يأتي من السماء لأول مرة"، وسُئِل الكاتب الكبير "محمود السعدني" عن سرِّ تفرد الشيخ محمد رفعت فقال: "كان ممتلئًا تصديقًا وإيمانًا بما يقرأ".

أما الأستاذ "علي خليل" شيخ الإذاعيين فيقول عنه: "إنه كان هادئ النفس، تحس وأنت جالس معه أن الرجلَ مستمتع بحياته، وكأنه في جنة الخلد، كان كيانًا ملائكيًّا، ترى في وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض".

ونعَته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: "أيها المسلمون.. فقدنا اليوم عَلَمًا من أعلام الإسلام".

أما الإذاعة السورية فجاء النعي على لسان المفتي؛ حيث قال: "لقد مات المقرئ الذي وهب صوتَه للإسلام

سيرة القارئ الشيخ عبد العزيز حصان

عملاق من عمالقة التجويد كنت انت يا شيخنا عبد العزيز حصان...ولد شيخنا في قرية «الفرستق» بمحافظة الغربية شمال مصر، ولد القارئ الشيخ «محمد عبد العزيز حصَّان عام 1928، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن السابعة، ساعده على ذلك تفرغه الكامل لحفظ القرآن الكريم بعد فقدانه البصر، فكان ذهنه متفرغاً لشيء واحد وهو حفظ كتاب الله، وبدأت علامات النبوغ والذكاء تظهر عليه وهو طفل صغير مما دفع أحد أقربائه بتشجيع والده إلى إرساله إلى كتاب القرية ليتعلم حفظ القرآن.

يقول الشيخ «حَصَّان»: لأنني كنت غير مبصر لقبني أهالي المنطقة بالشيخ «محمد» رغم صغر سني فكنت أشعر بالفخر والاعتزاز بالنفس والوقار والبطولة المبكرة.

وأنا في الخامسة من عمري، وكنت محباً للقرآن بطريقة لا حدود لها جعلت الناس ينظرون إلي نظرة تقدير واحترام، في البيت والقرية وفي الكتّاب مما زادني حباً للقرآن وحفظه، كل ذلك شجعني وقوى عزيمتي على حفظ كتاب الله في فترة وجيزة قبل أن أكمل سن السابعة.

ولم يتوقف طموح هذا الفتي الموهوب عند هذا الحد من التفوق،ولكنه كان دؤوباً صابرآً جلداً طموحاً وفي الوقت نفسه متفائلاً لا يعرف اليأس إليه طريقاً، فتعلم القراءات السبع وحفظ الشاطبية في مدة لا تزيد على عامين فقط فأصبح عالماً بأحكام القرآن قبل العاشرة من عمره ليثبت للجميع أنه يستحق أن يلقب بالشيخ «محمد».

ولم يكتف بهذا الانجاز الذي كان حلماً يراود أباه والمقربون إليه من الأهل والأصدقاء. وإنما ظل يتردد على شيخ الكتاب ليراجع عليه كل يوم قدراً من القرآن وكان يتلوه بصوت وتجويد وتنغيم بالسليقة التي اكتسبها عن طريق سماعه لمشاهير قراء الرعيل الأول بالإذاعة متخيلاً أنه أحد هؤلاء القراء وكان شيخ الكتاب يطلب منه بعد المراجعة أن يتلو بعض الآيات بصوته الجميل العذب حتى يدخل الثقة إلى نفسه ويعلمه أحكام التلاوة التي ستمكنه من القرآن وتلاوته.

وكان صوت الشيخ «حصان» جميلا منذ الصغر كما حباه الله بإمكانات صوتية متفوقة عززها بشدة إتقانه لحفظ القرآن وتمكنه الشديد من أحكام التجويد وبراعة الانتقال من مقام إلى مقام وكيفية أداء التلاوة أداءً عاقلاً ملتزماً منذ الطفولة، هذه الأسباب أدت إلى ذيوع صيت الشيخ» حصان» حتى عرف بين الناس بأنه الفتى القادم والذي ينتظره مجد وشهرة لا تقل عن كوكبة القراء الأفذاذ الذين سطروا تاريخ تلاوة القرآن بجهدهم والتزامهم وقوة أدائهم وجمال أصواتهم.

وقبل بلوغه العشرين عاماً كانت شهرته قد اتسعت في جميع مدن وقرى محافظة الغربية وانهالت عليه الدعوات من كل مكان وأصبح قارئاً معروفاً بين المشاهير من القراء، يدعى لإحياء المناسبات الدينية المختلفة التي يحضرها عمالقة الشيوخ أمثال الشيخ «مصطفى إسماعيل» و«الحصري»، و«المنشاوي» و«الشعشاعي» و«عبد الباسط» وغيرهم من المشاهير.

وقال له الشيخ «الحصري» ذات يوم: «يا شيخ «محمد» سيكون.. لك مستقبل عظيم لأنك تهزني داخلياً بخشوعك وتعبيرك وقوة تصويرك لما تقرأ، فصوتك يؤثر في القلب مباشرة».

القارئ الفقيه

وبعد مشوار طويل مع تلاوة القرآن الكريم على مدى خمسة عشر عاماً قضاها الشيخ «حصان» قارئاً للقرآن في السهرات والمناسبات المختلفة استطاع خلالها أن يبني مجداً وشهرة بالجهد والعرق والالتزام وعزة النفس وتقوى الله في تعاملاته وفي تلاواته، أصبح هو القارئ المفضل للقاعدة العريضة من الناس وخاصة بعد رحيل الشيخين «مصطفي إسماعيل» والشيخ «الحصري» .

حيث انفرد الشيخ «حصان» بعدة مميزات أهلته لأن يكون صاحب مدرسة في فن التلاوة وحسن الأداء، وتظهر براعة وموهبة الشيخ «حصان» في شدة إحكام وقفه الذي لا يخل بالمعنى ولا بالأحكام فيعطي لآيات القرآن معاني جديدة وكأنه يفسر القرآن تفسيراً متفرداً، فأطلقوا عليه لقب القارئ الفقيه وخاصة وهو يبتكر أسلوباً جديداً في الوقت لم يجرؤ فيه أحد على طرق هذا المجال لأنه يحتاج إلى براعة وإحساس وتلوين خاص جداً.

وبعد هذا التألق والنجاح انتقل الشيخ إلى مدينة كفر الزيات ليدخل دائرة التنافس القوي مع عدد من مشاهير القراء كالشيخ «غلوش» والشيخ «الزامل»، فذاع صيت الشيخ حصّان واتسعت شهرته مما دعاه لتقديم أوراقه إلى الإذاعة المصرية ليطلب اعتماده كقارئ بها، ليكون عام 1964 بداية لتاريخه الإذاعي الذي عرفه بالملايين من خلال تلاواته لقرآن الفجر وصلاة الجمعة والمناسبات الدينية المختلفة.

ولم تغير الإذاعة من معاملة الشيخ «حصّان» لعشاق فن أدائه وسماع صوته ولم تضف جديداً إليه لأنه منذ كان طفلا كان يشبه المشاهير من القراء في كل شيء وخاصة المظهر وعزة النفس وقوة الشخصية التي استمدها من كتاب الله بالإضافة إلى جمال صوته ومواهبه المتعددة التي ظهرت من خلال أدائه العالي الرشيق والمحكم الموزون.

وعلى مدى خمسين عاماً قضاها الشيخ «حصّان» في تلاوة القرآن الكريم جاب خلالها معظم بلدان العالم فكانت له جولات على المستوي الدولي فسافر إلى كثير من الدول العربية و الإسلامية وخاصة دول الخليج العربي التي تعتبر هي الوطن الثاني في قلب الشيخ «حصّان» لأنه كان يشعر بالحب والآمان فيها ولم يشعر بالغربة نظراً لحسن المعاملة وشدة الإعجاب والتقدير لأهل القرآن.

يقول الشيخ «حصّان»:

«سرني في رحلاتي إلى دول الخليج العربي فرط تقديرهم وإعجابهم بأهل القرآن أمثال الشيخ «عبد الباسط» الذي يعتبر جبلا شامخاً في نظرهم، والشيخ «مصطفى إسماعيل» والشيخ «محمد صديق المشناوي» والشيخ «البنا» والشيخ «النقشبندي» وغيرهم من أصحاب الفضيلة وخاصة الشيخ «أبو العينين شعيشع».

سيرة القارئ الشيخ محمد الصيفي

أحد عمالقة قراء القرآن في مصر، نشأ وعاش وذاعت شهرته في النصف الأول من القرن العشرين، كان صديقاً مقرباً لقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وتتلم...